أحسنت إلى العصفور !

6 ديسمبر، 2011 | قراءات ومتابعات | 0 تعليقات

الرائد / عبد الكريم الجهيمان رحمه الله ، شجرة باسقة ومثمرة ، احترت لا أعرف من ( أين الطريق ؟ ) إلى حياة هذا الرمز الوطني الكبير ، ونتاجه الأدبي والفكري المتنوع والغزير  ، شعراً وسرداً وفكراً تنويرياً  ، لأجيال على مدى قرن كامل من الزمن ، وقد تشرفت من تلكـ اللحظة التي أصبح صديقاً له ، رافقته في سفرة وأحضر له صالونه الأدبي كل يوم أثنين ، ما لم  يحل دون ذلكـ سبب قاس ، وظل وفياً لأصدقائه و حضور صالونه حتى  أخر يومين من حياته ، قبل أن يدخل غرفة الإنعاش ومن ثم رحيله ، طلّ فيها مودعاً . .

أحمدالدويحي

أحسنت إلى العصفور !

كنت في أحد مقاهي معرض دمشق للكتاب ، أنتظر موعداً مع الروائي الكبير عبد الرحمن  منيف في منتصف الثمانينات ،  فإذا بمحمد القشعمي يعبرُ ومعه شيخٌ يتوكأ على عصا الزمن ، ولم يكن إلا رجلاً  يحمل على كاهله قرن من التجربة والوعي والتنوير . . 

الرائد / عبد الكريم الجهيمان رحمه الله ، شجرة باسقة ومثمرة ، احترت لا أعرف من ( أين الطريق ؟ ) إلى حياة هذا الرمز الوطني الكبير ، ونتاجه الأدبي والفكري المتنوع والغزير  ، شعراً وسرداً وفكراً تنويرياً  ، لأجيال على مدى قرن كامل من الزمن ، وقد تشرفت من تلكـ اللحظة التي أصبح صديقاً له ، رافقته في سفرة وأحضر له صالونه الأدبي كل يوم أثنين ، ما لم  يحل دون ذلكـ سبب قاس ، وظل وفياً لأصدقائه و حضور صالونه حتى  أخر يومين من حياته ، قبل أن يدخل غرفة الإنعاش ومن ثم رحيله ، طلّ فيها مودعاً . .
كتبت مرات عن عالم هذا الرائد ، ونشرت حوارات أجريتها معه ، تناولت محطات مهمة من حياته ، بداية من  في قريته ( غسله ) في الوشم التي ذاق فيها حرمان انفصال الوالدين ، فكان يقول عن والدته التي تزوجت رجلاً أخر ، بأنه كان ينتظرها في عودتها من زيارة إلى بيت زوجها  ليقذفها بالأحجار ، ثم رحلته إلى مكة للعلم وقد شكلت له صدمة حضارية ، وحياته في مكة واحدة من المحطات المهمة التي لم تضاء ، وفيها كثير من معاركه الأدبية والفكرية مع أجياله ، ويقول عنها في أحدى حواراتي معه ( كنت وهابياً متخلفاً ) إذ كنت إذا سمعت الموسيقى والغناء ، تصدر من أحد البيوت المكاوية ، كنت أضع أصبعي في إذني لكي لا أسمع الغناء ، وكانت المحطة الثالثة محلياً هي ( رحلة السجون ) التي كرست توجهه فما بعد ، و أفسحت له رحلاته الخارجية إلى العالم وبالذات إلى باريس ، وقد تعمق وعيه وتعلم فيها قيادة السيارة بعد الستين من العمر ، وأصدر بعدها  كتب الرحلات إلى باريس ودورة مع الشمس ، وتظل الأمثال في الجزيرة العربية والأساطير بأجزائها وقد ترجمت إلى الروسية ، واحدة من أهم كتب السرد المعاصرة ، لأنه في نظري أستطاع أن يلمُ بالأساطير في وسط الجزيرة العربية ، وينقلها بثقافتها التي كانت معزولة عما حولها ، ويغوص في عمق آدابها وتراثها . . 
ويظل الرائد / عبد الكريم الجهيمان رحمه سيرة فريدة ، يصعب على أي باحث أن يلمُ بها وبنتاجه ، وفي هذه العجالة وروحه الجميلة ودماثة خلقه وفرادة صداقته تسيطر علي ، أتذكر وما أكثر ما أتذكر عن أبي سهيل ، ذات ليلة وكنا عائدين من  زيارة معرض تشكيلي للفنان عبد الجبار اليحيا بعد منتصف الليل ، ومعروف أن الجهيمان يحترم مواعيد نومه وبرنامجه اليومي بما فيه من واجبات ، وكان رجلاً نباتياً لا يأكل اللحوم ، ويردد دائماً القول التراثي  ( اللحم لثلاث ) ، فوقفنا تلكـ الليلة في مواجهة بيته ، وظل لدقائق وقد تجاوز المائة أما باب بيته ، يعالج المفتاح ليدخله في ثقب الباب ، وحينما لم ينجز ذلكـ ، كنت أتململ على مقعد السيارة بجانب الصديق محمد القشعمي الذي منعني من مساعدته ، انتظاراً لما ستسفر عنه محاولاته مع ثقب الباب ، وحينما لم يتملكني الصبر ، خرجت إليه طالباً المفتاح لأضعه له في ثقب الباب ولكنه رفض قائلاً ( إذا فتحت لي الليلة ، فمن سيفتح لي غداً . . ؟ ) وقد كان ، أما الحكاية الأخرى فقد كنت معه في سفر ، وكل ما فعلت شيئاً ، قال لي ( أحسنت إلى العصفور ) وهو قول تراثي أيضاً لم يكن قد علق بذاكرتي ، فقلت ما الحكاية يا أبا سهيل  ؟ 
فقال بروحه المرحة : كان هناكـ ملكاً ظالماً ، وكان هناكـ وزيراً منافقاً ، فأراد الملكـ يوماً أن يصطاد ، وكانت العصافير مجتمعة على شجرة ، فرمى الملكـ برصاصة وأخطأ العصفور  ، وطارت العصافير من الشجرة ، فقال الوزير المنافق قولته تلكـ  للملكـ : أحسنت إلى العصفور ! 
رحم الله عبد الكريم الجهيمان ، فقد كان رائداً في التعليم وفي الأدب وفي النضال وفي إنسانية الإنسان بما حمله من طيب معشر وخلق ودماثة .

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *