أحمد الدويحي:الرواية المحلية تفتقد الشمولية

4 يوليو، 2024 | حوارات | 0 تعليقات

حوار في صحيفة الحياة

‏روايته الجديدة غيوم امرأة استثنائية تدور في أجواء وسائل الاتصال الجديدة
‏أحمد الدويحي:الرواية المحلية تفتقد الشمولية لغياب المسرح والسينما

‏مكة المكرمة – صلاح القرشي

‏- في البداية أبارك لك روايتك الجديدة “غيوم امرأة استثنائية ” التي سيصافحها القراء في معرض الرياض القريب وأود أن تحدثنا عن هذه الرواية قليلا..

‏* شكراً للتهنئة، رواية غيوم امرأة استثنائية التي صدرت من أيام عن دار جداول، ستكون في المعرض القادم بالرياض، وأحلم لها بحفاوة الحضور، تجترح فضاء جديدًا، هو فضاء افتراضي وغير واقعي، فالرواية تدور في فضاء وعبر سائل الاتصال الاجتماعي الحديثة ، عالم متشابك يشكل الشباب نسبة عالية من المرتادين له في عالمنا العربي، وأهدفُ إلى التقاط الطازج من هموم المجتمع وبالذات المجتمع الشبابي، ومحاولة التعايش في هذا النسيج ومعرفة خباياه في قراءة مستقبلية، تجعل الباحث حتماً في عالم مدهش ومتغير باستمرار، ويغري للسعى إلى كشف وتعرية كثير من المسلمات القائمة، والتجربة لكاتب مثلي لا يريد أن يكرر ذاته، يبحث عن الجديد وبعيداً عن اللت في قضايا محيطه التقليدية، والمتأمل حتماً سيغرق في قضايا متنوعة، والفضاء يمتد إلى خارج الحدود ، ليلمس المتحول في العالم العربي في ظل التحولات السياسية في مظهرها، كتحولات عميقة جداً تطال بني متنوعة، فالتحولات تكون أكبر لما تتجاوز حياة الشخوص الروائية إلى تحولات وحياة الشعوب.

‏ – في ثلاثية “المكتوب مرة أخرى”.. يبحث الكاتب عن بطلة لروايته.. هل يمكن أن تكون هذه البطلة هي “المرأة الاستثنائية ” عنوان روايتك الجديدة.. وأقصد هنا ملاحظة خاصة لا أعرف مدى اتفاقك معها، وهي أن كل أعمالك الروائية ورغم استقلالية كل عمل منها واختلافه عن الآخر إلا أنه يمكن مطالعتها باعتبارها، تكمل بعضها بعضًا.

‏* ملاحظتكـ دقيقة في جانب منها، وقراءاتك لرواية المكتوب صحيحة، وأنا فرحٌ بهذا التأويل لرواية تعد رواية الرواية، وهذا التأويل يعيد لي اليقين رغم محاولة أحد الأصدقاء النقاد نفي هذه الخاصية عنها في ملتقى الرواية بالباحة، وللآسف فإن هذا الناقد أستاذ أدب في الجامعة وصديق عمر أعتز بصداقته، ولكني شعرت أنه لم يقرأ سيرة الروائيين الروائية، أو أن شيئاً خفياً ومختلفاً في وجهة نظره ، لم يفصح عنه ولم أناقشه لأن ثلاثية المكتوب مرة أخرى، تعدُ نص ثري بالتأكيد من وجهة نظري ، وهناك مقولة يا صديقي، لست أعلم مدى تطابقها مع كتاباتي، تقول بأن النتاج الأدبي للكاتب، يدور حول محور فكرة واحدة، ينوع ويتشكلُ في طبعات مختلفة ، وسندع هذا للنقاد والقراء ومسؤوليتي أن أكتب . . لكن لا شك بأن لكل نص فضاء، وعالم وشخوص وأزمنة متنوعة حتى ولو حملت خطاباً واحداً، أو مجموعة خطابات متجاورة في نص واحد، أو مجموعة النصوص والروايات، إذ يفتح التراكم السردي في العالم الروائي النوافذ، فيمرُ اليومي والتاريخي والسياسي والأسطوري، المرأة – وشهرزاد، الروائي هذا الكائن الجميل ، نّخلق حوله كثيرًا من الحكايات ، لنستنبت أوطانًا ومدنًا أفلاطونية تليق بأحلامنا!

‏- ولأني لم أطالع عملك الجديد بعد، فلن اتجرأ لأطرح عليك شيئا بشأنه، ولكني سأعود إلى ثلاثية المكتوب مرة أخرى.. ذلك العمل المتدفق من خلال تيار الوعي، وهو مثال لكتابة يتميز بها أحمد الدويحي، لكنني أتسـائل أحيانا ألم تشعر بشي من الإحباط، وأنت ترى أعمالًا روائية أقرب للسطحية، تنال الكثير من الحضور إن يكن على المستوى القرائي أو حتى النقدي، فيما عمل كالمكتوب مرة أخرى يبقى في دائرة أصغر من جهة ذلك الحضور.

‏* يا سيدي لا تستغرب وجود كثير من المتناقضات في مشهدنا الثقافي، نحن مجتمع شهد تحولات سريعة في جوانب معينة، طالت تشويه بني مجتمعية وتراثًا في إيقاع سريع وغير موزون، وتغافلنا عن جوانب قصور عظيمة وبارزة ومؤثرة، وظل الإنسان المعني بهذا التحولات بمعزل عن الحدث، ويبهجني التكثيف الروائي الذي نشهده الآن، وأفرح أن الرواية المحلية أصبحت مطلوبة الآن بعد غياب عقود من الزمن، والرواية جنس أدبي شمولي يعنى بكل الشرائح المجتمعية، وحضور الشرائح المقصية، يعني بهذا التكثيف الروائي ، وهذا التنوع قد يكون مؤذياً في البداية ، إذ يدل على فوضى وهو ما نشهده ، الكتابة الروائية في مشهدنا الثقافي تفتقد للشمولية في غياب فنون أخرى كالسينما والمسرح، الحركة الروائية مع أن المؤشر لصالحها كفن شمولي ومجتمعي، لكنها لم تحدث بعد التأثير المرجو منها ، كحركة الحداثة الشعرية في التسعينات والثمانينات ، فالكاتب المنتج للنص في كل مراحله ، ظل بعيداً عن ملامسة أي تأثيرات خارجية ، ولست من هواة الكتاب الذين يبحثون عن الضوء والجوائز ، أكتب لأني أواجه ورقة بيضاء ، ونهرَا يتدفق من الموت والجنون ، وربما الخوف والموت في بعض المحطات ، والكتابة الروائية عليها أن تفتح أبواب المسكوت عنه وتكشف المستور ، فعل الكتابة يحرر الإنسان وأرجو في كل ما فعلت ، لأظل الإنسان الواعي حتى بأبسط مسؤوليات الكتابة ، تلت “ثلاثية المكتوب مرة أخرى” ثلاث روايات، ولما يقف بعد حنين الكاتب والمكتوب ، مهمتي أن أحلم وأكتب عالما يسكنني وأسكنه، موازياً للواقع ولا أضع نفسي في مقارنة مع أحد.

‏- ولعل السؤال السابق يقودني إلى تفصيل آخر.. لمن يكتب أحمد الدويحي.. خصوصا وهو ملتزم بنموذجه الفني الذي لا يغازل الجماهيرية سواء من خلال تركيزه على أجواء سريالية أو من خلال ابتعاده عن الواقعية وعن الحكائية سواء في المكتوب مرة أخرى.. أو مدن الدخان.. أو حتى رواية وحي الآخرة.؟

‏* كنت قبل أن أشرع في عالمي الكتابي، أقرأ لرموز الرواية العربية في إحدى الدوريات الكبرى، فوجدت سؤالًا لهم كهذا، يعنى بتحديد مجتمع الكاتب الروائي، وحتماً فإن الحصيلة مختلفة ومتباينة ، وتستطيع بعين فاحصة أن تتبين بصمة كل كاتب ، وتستخلص أن لكل كاتب تميز في عالمه الكتابي ، البارحة عدت وفي جيبي ورقة من سهرة بسيطة وحميمة ، وكأني أزيح حمولة نص قصصي ثقيل للزميل القاص عبد الله العتيق ، صاحب مجموعة أكذوبة الصمت والدمار ، نص مثقلٌ به من قبل ثلاثين عاماً ، وأظنه من المجموعة الوحيدة لهذا القاص البارع ، وأظن أن أستاذنا الكبير عابد خزندار من النادرين الذين التفتوا لهذا النص ، وتناوله بالقراءة النقدية والورقة التي في جيبي عن نصٍ ، تحدث عن الطبقية في ذلك الزمن البعيد ، وتناولها بجرأة لم يكن أحد ليجرؤ على الاقتراب من هذا الهم . ويموت الزّمار كما يقول المثل وأصابعه تلعب ، أتذكر نص العتيق الآن بعد كل هذا الزمن ، لأني عوقبت بسبب نشره حينذاك ، ونحن اليوم نجترح تجربة جديدة وعالماً جديداً ، يتناسب مع خطاب العصر ولغة الجيل بغض النظر عن المذهب الفني والأجواء السريالية ، لكنها القضايا المجتمعية ذاتها لا تزال ماثلة ، وجاهزة لتناولها بمعالجات جديدة ، ونحن نعيش في مجتمع تقليدي ، يمارس الازدواجية في كثير من تفاصيل حياته ، ويرفض كشف المستور ويظهر في العلن كحارس للفضيلة ، ويمارس في السر أقصى درجات الفحش ، ولابد للعالم الروائي أن يتسلل لتشخيص وتأويل مثل هذه التناقضات في المجتمع ، يرفض الكشف عن خصائصه وخصوصياته ، والكتابة السريالية كفن وجدت في أوربا لما كان المثقفون والفنانون ، يشاهدون الجثث في الشوارع دون أن يجدوا حلولاً إزاءها ، وأجدني الآن في ظل التحولات السريعة ، أتابع جيل التكنولوجيا والنوافذ المفتوحة ، ولست أزعم أني أكتب للنخبوية، ولا أبتغي الجماهيرية القرائية ، ولست ممن يفضلون الحديث عن نتاجهم ويحسنون التبرير ، ومحطات الكتابة الروائية لرواياتي الواردة في سؤالك ، تستحق تفصيلًا كثيرًا أجدني في حلّ من الحديث عن عالمي الكتابي فلم أتعود هذا ، وقد يكون ما أفعله ظلمًا لها في هذه الجزئية ، وقد ظلمت من قبل في اختيار دار نشر ، لا يسمح لها بالمشاركة في معرض الرياض بكتبها ومن ضمنها رواياتي .


صحيفة الحياة – أكتوبر – 2013م

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *