الأدب في “بنات الرياض” وقلة الأدب

1 يوليو، 2010 | قراءات ومتابعات | 0 تعليقات

1 ـ أشعر أن عبد الرحمن منيف, يقفز من قبره ليقف الآن فوق رأسي بشدة بعد نهاية قراءة هذه الرواية لهذه الفتاة الشابة.
ليس فقط, لأنه كاتب ملاحم التحولات المذهلة لـ (مدن الملح) التي نعرفها..
وليس لأنه كتب خاتمة أعماله الروائية (أرض السواد) باللهجة العراقية الدارجة الموحية, وحينما شكوت له صعوبة فهم شيء منها في البداية, ضحك وقال: حاول مرة أخرى عسى أن تنجح, وكأنه كان يتنبأ بما يحدث في العراق الآن, فأراد أن تكون لغة آخر أعماله الروائية, قاسما مشتركا بين شرائح هذا الشعب المتنوعة, ليضمن بقاء وحدته على الأقل في نصه قبل موته, حينما يأتي زمن يتحول ويتعنصر ويتحزب بسرعة كل شيء..

وليس لأنه دفع النص السردي الأول (البدايات) للصديق محمد القشعمي ذات مرة في وجه كاتبه غاضبا, وهو يلومه على الاستعجال في كتابة بالغة الحساسية, لنص حفل بكثير من الدلالات المهمة إلى عمق مجتمع مغلق, ليلامس مناطق جد مهمة, ثم يعالجه بهذا التقتير السردي, وكأن أبو يعرب (مطفوقا) بعد هذا العمر.
منيف صنف ذلك المجتمع الذي يغطي واقعه بكثير من الأقنعة التي تحتاج إلى كشف جرئ, لنعرف كم من تلك الموبقات الشنيعة, ترتكب باسم التسامح في هذا المجتمع الذي يكون شرائح مختلفة, وقسمه إلى ثلاثة أجيال:
ـ الجيل الأول, وهو الذي يؤمن بأنه يتلقى تعاليمه من السماء, ولا بد أن تكون رؤيته نافذة على الأرض, ويكاد هذا الجيل أن ينقرض تماما دون أن تنتهي طروحاته وخرافاته, ولو كانت مجرد عادات, لتصبح شيئا مقدسا ومهما كأنها من الدين.
ـ الجيل الثاني, وهو الذي مضى بالتجربة إلى النهاية وسوقها في الداخل والخارج مستفيدا من كل معطيات المرحلة.
ـ الجيل الثالث, وهو جيل التقنية الحديثة وثورة المعلومات والجيل المعاصر الذي أصبح في حكم المضطر لمواجهة الماضي والحاضر معا في الوقت ذاته.
و(بنات الرياض) سيرة ذاتية روائية, أحاطت ذاتها وبطلاتها الروائية, وتوظيف تقنياتها المعاصرة, متواطئة مع قراء النت وأخبار الصحف, لتشكل ملامح نص خداج, يحمل هوية لكتابة لم ترد كتابتها, بل أنتجتها (المقامات) المعلومة وغير المعلومة لا كما تريد هي, وفوق هذا ظلت قادرة على فهم تقنيتها ومعرفتها بها, دون تصنيفها لأي شكل تعبيري أو تصنيف أدبي وكتابي, ما عدا موقفها من الحداثة! وأتفهم هنا السبب!
والكاتبة رجاء عبد الله الصانع, أمسكت بنسيج وخيوط حكايتها وبطلات نصها الرافضات لواقعهن, كشكل إعلاني كاشف فاضح مغرٍ جرئ, أقض مضجع الساحة الثقافية, فقد ظل الطبق الرمضاني المفضل لليالي بعد صلاة التراويح في البيت, وسمعت همسها في المطبخ بين بنات جيلها وجنسها, ولسن من شريحتها الاجتماعية.
سأغض هنا ـ الطرف وأغمض عيني عن الدلالة اللغوية, وأنا أغوص بين المفردات, وقد أغرقت الـ (بنت) حوارات النص بمفردات أجنبية (إنجليزية), ولن أسأل عما تنبئ به اللغة الروائية هنا, فلا أنا ولا غيري يحق له أن يفترض حالة محددة, لشكل وخطاب النص بغير ما رأته الكاتبة, وعبرت به عن جيلها بطريقة اختارتها, كأن يقول رأي من تلك الآراء, لماذا لم تكن الفتيات الأربع يمثلن مختلف مناطق المملكة بكل تلك المتناقضات فيها, كما جاء الإسقاط الرمزي في حالة الكويتية (أم نوير) و(لميس الجداوي) و(قمره) و(ميشيل), لتجد منفذا في التراكم المجتمعي, ما وجدت الكاتبة طريقا للخلاص من النهايات المتشابهة لبطلات نصها, أم أن هذه الـ (بنت) غير!
والـ (بنت) حكاية سردية أخرى, للمبدعة الدكتورة هناء حجازي, شكلت مبكرة ذلك التحدي المبهر, وظل بي شوق هنا, لقراءة غموض سردي أنثوي قادم, فالكتابة الروائية المنتظرة بطاقة وحساسية الأنثى, لما للمرأة من قدرة على الصبر والمخاض والتجربة (إسفنجة) لمعطيات الحياة ونافذة للحرية, والرغبة في الثرثرة وكثرة الكلام, ولكن المبدعة (هاجر مكي) كتبت كما يقولون حكايتها السردية من كتابات, خطت على جدران غرف الحمامات في الأماكن العامة, المدارس, الجامعات, المساجد, وجدران الشوارع, وشكلت من رمزية أحرف لوحات السيارات العابرة روايتها مفسحة للفعل, وردة الفعل مساحة للحياة وللحوار دون حضور للجغرافيا, ووسمتها بـ (غير.. غير)! ذات العبارة التي ترددها البطلة (المخملية) الناجية الوحيدة من (هولكست) مجتمع أفرط في قياس مسألة الزواج والحب.
وأكتفي هنا بطرح تساؤلاتي في مواقع متعددة ومحددة إلى (مقام) الجيل الوسط الذي حضن نص (بنات الرياض), جيل البناء والتنمية الذي ما زال باقيا وفاعلا, يريد (الإصلاح) إلى الآن, فحينما تتساوى (المقامات), أعود مضطرا إلى مأزق سؤال المجتمع المخملي (المقام) الذي أنتج النص السردي, بهذه التفاصيل الجريئة, وفرح به كهالة احتفالية مجتمعية, لنتاج ثقافي جاء طبيعيا وتلقائيا, يرفض التمسك بالجذور اليابسة, ويقرر القفز في الهواء.
قبل أكثر من عقدين من الزمان هي عمر رجاء، شكل صوت مبدع قاض وفنان تشكيلي وقاص (عبد الله العتيق)، صدمة لهذا المجتمع المغلق، حينما كانت نصوصه، تشير إلى المآسي (الطبقية المجتمعية) القاتلة والمدمرة لبيوت نجدية كثيرة، كانت نصوصه ترفض بحجة أنها تهدد المجتمع بنقد سلالمه الاجتماعية، وقد شهدت أمسيات قصصية، رأيت من بين الحضور من يغضب لهذا التناول الحاد، أترون أني أخشى تسمية (خضيري وقبيلي) مباشرة، ولو فعلت ربما تحذف، والغريب أن الصحف التي تحتفي الآن بنص رجاء الصانع، هي التي كانت (ترفض) نشر نصوص عبد الله في ذلك الزمن، لتمتطي كاتبة عربية صوتنا الذي لم يكن، وذلك في غمرة لهفتنا لميلاد كاتبة روائية محلية، فتندب حنان الشيخ لتنتج لنا (مسك الغزال) من داخل بيوتنا، وقرأت سيرة ذاتية مخملية فضائحية مترجمة، كانت قد نشرت في صحيفة فرنسية لكاتبة لبنانية، عاشت بيننا كزوجة مخملية! حينما كانت الخطيئة في كل المدن العربية واقعة وما زالت، لتتفجر ذاكرة نسائها بالحكي المسكوت عنه، ليقدم الطاهر وطار (عرس بغل) في شمال إفريقيا للنساء المغربيات، ولينسج صنع الله إبراهيم صنع الله (وردة) المصرية، ويخرج محمد دماج (الرهينة) اليمنية من قصر طواها مئات السنين، ليخرجن إلى الحياة بطلات، لسن معزولات ولا محبوسات، ولا ذوات منغلقة ومغلقة، تحقن صباحاً مساءً بما نريد وما لا نريد، حقناً استهلاكياً فظيعاً.
وجاءت نهاية رواية (دم البراءة) لامرأة، عرفت بدفن الموتى كان لا بد أن تكون إلى جواره (محرم)، ولم تكن غير ابنته الضحية، ليعرف الخبير في هذا المجال إبراهيم الناصر الحميدان كيف تلقى مصيرها، وهي ذات الحكاية من ذات الطينة الاجتماعية، غازلها يوسف المحيميد وكشف ساقها، وحينما لم ترد وتتكلم ولو لتدافع عن مصيرها، كسرت (القارورة) في مسألة شرف!
المصير المحتوم للعانس، تعاني سطوة المجتمع وقهره، جعل رجاء الصانع، تهرب ببطلات نصها من مصير قاس، نصبه لها رجال الجيلين الأول والثاني، لتحمي (بنات الرياض) ذوات المجتمع المخملي، وتقذف قفازها الحريري بجرأة في وجه ذلك المجتمع، فحينما تسقط الجامعية في مستنقع العنوسة، ترتفع قامتها للرقص في قصور الأفراح، الطقاقات من الرياض والشيكولاته من باريس!
1 ـ كان يمكن أن تواصل هذا الاستطراد، وأطوي الغلاف الأخير من الرواية، تذكرت النكتة الشائعة عن الفنانة فيفي عبده، (شوف الأدب وداك فين وقلة الأدب ودتني فين؟)، مقارنة واقعها المالي بشيخ الرواية العربية نجيب محفوظ وصدق من قال: نزار واحد وهناك مليون مزيف، وبعد مماته تضاعفوا وصاروا أكثر من الهم على القلب.
2 ـ وجدت وجاهة وقناعة برأي عبد الله بخيت حول هذا النص، كما لم يحدث ذلك من قبل في غياب نقد حقيقي للتراكم السردي المحلي، وقد ذكرت مثل هذا الرأي في نادي القصة من قبل حول رواية (سقف الكفاية)، وعنيت الصراع السياسي في الخمسينيات والستينيات بالعراق، (مثبت لمن يريد قراءته على موقع المؤلف الإلكتروني)، وما يحتاج من ضرورة معايشة الروائي وليس معرفة ما هو مكتوب في المراجع، وأظن عبد الله يقصد الصراع الطبقي في نجد، وليس صراع الأجيال الكتابية، كما يريد البعض أن يفهمها، فليته يكمل بقراءة جادة، وهو المتخصص في هذه الجزئية من الثقافة الفنية الغربية مع فائز آبا.
سؤالي الأخير:
وقد قرأت مئات الآراء وردود الفعل حول هذا النص، هل صارت دور النشر العربية وبالذات تلك الدار، تشكل وعينا الثقافي وبالذات الإبداع السردي، مع قناعتي أن لا عيب في تدخل دور النشر في الكتابة، فذلك يحدث في الدول الأوروبية الكبيرة وفي كل دول العالم، ولكن ما هو رأي المشهد الثقافي المحلي بكل أطيافه، وهي الدار التجارية المعنية بنشر نصوص الشريحة ذاتها؟
طبعاً ـ لرجاء رأي في الدار خارج ما جاء في النص بمجلة استهلاكية اسمها (ليالينا) .. وعلى كل حال (صحبة) على رأي مشري رحمه الله، فالإبداع الحقيقي لا يموت!.

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *