رفعة

10 أكتوبر، 2010 | البديل | 0 تعليقات

يتبع غنمه ، يسوقها إلى مشارف القرية، كانت خيوط الشمس تهوي فوق رؤؤس الجبال ، يتراءى له وجه يتأرجح فوق صفحة ماء الغدير ، تتصاعد إلى خياشيمه بعد رحلة شاقة رائحة رَوَث البهائم والحبق والنعناع ، كأنه يشمها لأول وهلة ، القطيع يقودنا إلى طريق
( جحوشة) ونعتاد أن نسير خلفه ويمضي بنا إلى غايته …
نصمت أحياناً لأحدنا ، يحلو له الغناء ، امتعاضا فيعطي للريح صوته ، يطفئ شواطئ الجبال عند ارتداد الصدى، نلهو نعبث نردد مواويل ونتف قصص ونطعمها بما يسعفنا به خيالنا الغض ، ونضيف عليها شيئاً من الحال ليتسرب الزمن كالهواء نحس به ولا نراه.

قالوا : جاء مغربي للحج ، يحمل معه أوراقاً قديمة ، لتدله على موقع (جحوشة) وفيها غلة لبني هلال ، تلوح كما لاحت أطلال خولة لطرفة في ظاهر يده .
كان جدي يركب حمارته الرمادية اللون في طريق
(جحوشة) يروي قصة ذلك المخبول المسمى زين العابدين قائلا :
– قال : سيأتي زمن يخرج فيه حمار الشيطان وينقر بعصاه من فوق ظهر حمارته وأشتار إلى جانبي الطريق ويفعل هكذا …
فاجأتنا !! وخرجت من تحت كوة صخرة ، تحمل حبيبات سكر بين يديها ، ذقناه بتمعن ، وفعل بنا موجة عارمة !
اجتحنا الغار ، وأفرغنا كل ما فيه في بطوننا ، خرج كلب من الغار يحمل في فمه دجاجة مستوردة كاملة ! هالنا طمع الكلب ، لم نتعود من كلب القرية أن يأكل دجاجها ، ماذا حدث له ؟
نادت عليه ولكن هيهات !؟ نبح ولاحظنا ملامح آتية من بعيد ، تضرب أقدامها الثقيلة الأرض ، اقتربت من فوهة البئر ، وكأنها تنتزع سراً من جوفه .
أصابتنا رجفة … إنها هي قادمة … فكوها …
(رفعة جاءت) … كيف قدر لها أن تغادر شهار ؟
استقبلها باشا ً مرحباً ، احتضنها ، سعى ينادي أمه :
– رفعة جاءت … فكوها … فكوها …
خرج أهل البيت الدهشة تعلو وجوههم ، ارتفع صوت مرزوق :
– محمد قم .
فهمت إشارته المقصودة بتدبير عشاء دسم يليق بالضيفة ،اندفعوا إلى المجلس الكبير يرحبون رجالاً ونساءً برفعة ، التفوا حول النار وتناقلت القرية الخبر :
رفعة جاءت !!!
تتسع حلقة السمر ، نظرات فاحصة ، كلمات بلا معنى ، أبناء القرية يتوافدون ، السؤال يضرب بالأعماق …
رفعة جاءت !!
لا أحد يجرؤ على نبش الماضي ، ترحب سعدى ، مرزوق يغافل زوجته سعدى ويسترق نظرات قاتلة ، ويعود بذاكرته إلى زمن بعيد … ثلاثة وعشرون عاماً تنهش سر هذه الليلة ،تنتصب حاجزاً بين رفعة وهذه العيون المتفحصة ، تغوص لتنتزع الآهات ، مرزوق يتنحى جانباً يحبس هم << السنين >> في صدورهم ، لا يقوى على نبش ما دفنته .
يتذكرونها ، ثلاثة وعشرون عاماً ، يتذكرون قصائدها ، ويرددون قصة ليلة زفافها ، هربت ليلتها ولم تجد ملاذاً يحتضن خوفها غير جوف البئر … ها هي اللحظات تمر بطيئة … ثقيلة … قاتلة … تجتاح العاصفة فجأة كل شئ تهتك مساحة الجمود ، يبتلع صوت رفعة سر هذه الليلة ، يملأه دفئاً وحناناً :
– ( يا ليت لك – يالعافية – في السوق جلاب يشتريها كل طلاب ) .
تتوحد الهموم ، تلاقت العيون ، سرت همهمة ، رج البيت ، صرخ مرزوق وكان صوته حاداً متجرداً :
– اسكتوا … اسكتوا …
توقفت رفعة ، وضحكت :
– والله ما عاد أطيق ،
يعلو الضجيج ، يرفع مرزوق صوته بذات الحب راجياً :
– يا جماعة خلوها … بتغني …
انزوت سعدى خلفه ، قالت :
– لا … ما عادت تطيق
صاح بشدة مستنكراً :
– اسكتي أنت ،
تتفحص رفعة أبناء القرية ، تضحك قائلة :
– هذا ولد فلان … وهذه بنت فلانة (حليلها) تشبه أمها الله يرحمها .
ها هي تعرف أخبارهم ، تعرف صغارهم بأشباه أهلهم ، يشاغل نفسه بتعبئة ( الأتريك) بالغاز ، ينثني فوق جدار النافذة ، يتوسد ذراعه بهدوء ، يرقب ساكناً :
– مرزوق
تناديه ، تبحث عنه رفعة بالتفاتة فاحصة :
– وين مرزوق ؟
– أنا هنا …!
صوت متجحرش يأتيها من بعيد ، يرد مرزوق :
– (وش عليك منه خليه هنا …؟ )
يعلق أحدهم مازحاً تحتج رفعة بنبرة صادقة صارخة :
– لا… كل شيء  إلا مرزوق
تخرج الماضي ، تعمر بنت اللحظة ، تنقل بصرها بين الصغار ، يتفحصونها بدورهم ، تبتسم لهم ، تبدو مختلفة عما سمعوه ، ونما في أذهانهم ، تحرك سعدى النار ، تسحب الجمر ، تتنحنح رفعة :
– (غبني على روحي وياما زل منها

ليت لي آخذ ما يكفي الحال منها
ما مضى لي … لو يكون غالي ثمنها
– فرج الله قريب
جاء صوته خفياً هامساً حزيناً ،
– صوتي ضاع … تقطع
وضحكت ، توقفت ، وجالت ببصرها في سماء البيت ، بدأت تبحث عن سرها ، وواصلت فجأة :
– (يا شايل الهم كيف ترضى وأنت مهموم
اللهم اللي علق بقلب إنسان فضه
دم دمه وأبدى جروحه)
قيثارة أصيلة ، هكذا رآها مرزوق ، وهكذا يعرفها منذ زمن بعيد ، امتدت يده إلى طرف غترته ، ومسح دمعة أثيرة ساخنة فاضت عنوة فوق خده :
– هاك
تجاهلته ووضعت سعدى عينين مكتئبتين في عيني مرزوق :
– خلها
– الليل طويل …!
تسحب رفعة خيوط الماضي بكل مآسيه
–    ” لا … لا… يا قتالي أخطيت
ما بعد أني خنت وأعطيت “
يتقطع صوت مرزوق ، ينتحب ، وها هي رفعة تعطي لكلّ حقة ، وليحتمل كلّ همه .
ليست رفعة وحدها .
وشهار لم تبن من أجلها .
كانت رفعة منتشية تكشف سر ليلها الطويل :
” تعبت … تعبت … غداً العيد ، والله يعيدكم ” .    

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *