عندما أقرأ (ريحانة) أتصور أني أقرأ الباحة بسرياليتها العالية وحكايتها البسيطة
هاني حجي من الرياض
في حديث عن زاوية ذاكرته مع مدينة الباحة يقول الروائي أحمد الدويحي ”ولدت في قرية صغيرة في الباحة تسمى (العسيلة) يهتم أهلها بالفلاحة وهي مشهورة بزراعة العنب عشت طفلا صغيرا عنده أحلام كبيرة على جبال السروات كنت أشعر أنني ألامس السماء أشعر أنها غريبة مني وهي تصافحني كانت صفحتي اليومية التي أكتب عليها أحلامي وأراها تتماوج بين السحب .
عملت كراع للغنم وكانت من أجمل الحرف التي مارستها منها حرف يدوية وثقافية وكتابية كنا نلعب مع أطفال وبنات القرية ،في ذلك الزمن كانت النفوس بريئة وكنا نتعامل مع بنات القرية كأخوات،أصبحت أحن إلى ذلك المجتمع حينما تفترسني المدينة بقسوتها وغبائها أحن لذلك العالم الذي كان فيه التواصل بين كل الناس شباب القرية ورجالها ونسائها مجتمع طيب أتذكر فيه مواسم الفرح والحزن والمطر.
غادرت القرية وعمري 12 سنة ولم يكن هناك مدرسة ،سافرت للرياض إلى بيت الخال .
في مجموعتي القصصية الأولى (البديل) تحدثت فيها عن الواقع وعن القرية وتساءلت ما هو البديل وأنا أستوحي العالم الحميمي والفطري البسيط كنت أكتب (البديل) في لحظة جنون وفي لحظات عدمية كانت كتابة حارة وساخنة هل هذا آخر نص امتحنت فيه ذهنيتي والمعرفة التي اكتشفتها؟ ويقول دائما المبدع من أولوياته طرح الأسئلة على ذاته والواقع عن الأفكار والطروحات لا تخلو أعمالي عن قرية (العسيلة) قريتي دائما تحضر في كل الأعمال أكتب عن شخوصها وأكثرهم أعرفهم من الذاكرة، الطفولة والقرية حضرت في الرواية كمكان في عملي (ريحانة) حتى عندما أقرأ ريحانة أتصور أني اقرأ قريتي على الرغم من لغتها العالية السريالية إلا أن فيها كل البساطة، كأنها نجمة في ليل طويل تذكرني بليل القرى وصفاء السماء أرى فيها ذاكرتي البعيدة.
الآن تغيرت القرية البسيطة أصبح أهلها يبنون بيوتهم بحجارة الجبال بدلا من استخدام مكونات البيئة، تبنى بالأسمنت المسلح أتذكر أن المرحوم عبد العزيز مشري كان مهموما بالفلكلور وكان يؤذي مشاعره الفنية الحساسة أن يرى غابات ترتفع عليها بيوت الأسمنت ويرى أن فيها دلالة على أن الناس بدلت تقاليدها حينما يرى الغابات غابات الأسمنت ترتفع في المزارع وعلى رؤوس الجبال كان يشاهد غابات الأسمنت تنتزع حياة الناس وعشقهم وتواصلهم بين الحقول. الأسمنت المسلح ضيق العلاقات الإنسانية وكذلك الروائي ابراهيم كوني يعيش في منتجع في سويسرا ويكتب عن الصحراء والطوارق الذي يكتب عنهم ويرى أن البعد يجعله يقرأ بيئته بعمق وحنين وشوق.
ويضيف ”المدينة تكتب بالرواية لأن الرواية فن الغوص في الأنثربولوجيا كثير مما يطرح الآن ليس عملا روائيا بل متابعة ظواهر اجتماعية فردية مثل روايات الصحوة. حتى المجتمع يريد أن يكتبك أن يملأ عليك لأن مجتمعنا محروم من قراءة وكتابة الرواية التي تعنى باليومي مثلما تعنى بالتاريخي والأنثربولوجي والسياسي وكل هذه الامتحانات والفكر والجدل يصب من زاوية واحدة نحن نعيش ازدواجية ففي بيوتنا كل وسائل التقنية والترفيه ونرفضها في المجتمع.
ويقول ”حتى بعد تقاعدي لم أذهب لبيتي ومزرعتي مع أني أعتبر من الطبقة الأرستقراطية في الباحة المجتمع في القرية بطيء والقرية صارت مدينة وجزءا من بلجرشي لا أجد نفسي ولا أذكر أني كتبت في القرية أي نص ومع ذلك لا أغيب عنها إلا سنة أو سنتين وأعود لها في المناسبات الاجتماعية والثقافية حاجتي في هذا السن للهدوء والكتابة من وحي الآخرة
المصدر: صحيغة الأقتصادية
0 تعليق